اسماعيل بن محمد القونوي
380
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الكلام ومقطعه قتلهم وشهادتهم وهذا أولى مما قيل قدم في الآية الأولى لأنه رتب فيها المغفرة والثواب فكان تقديم القتل أنسب لأن ثوابه أكثر وأما في الآية الثانية فلما رتب فيها الحشر وكان مساويا بالنسبة إلى الموت والقتل وكان الموت أكثر كان تقديم الموت أنسب . قوله : ( لإلى معبودكم الذي توجهتم إليه وبذلتم « 1 » مهجكم لوجهه ) أي أرواحكم تفسير لتوجهتم إليه وفيه دلالة على أن المعنى في النظم ولئن متم أو قتلتم في سبيل اللّه كما نبهنا عليه فالتعميم فيما سبق إلى كون ذلك الهلاك في سبيل اللّه أولا مخالف لما اختاره المص . قوله : ( لا إلى غيره لا محالة تحشرون ) إشارة إلى الحصر في قوله : لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ [ آل عمران : 158 ] حيث قدم المعمول على العامل ورعاية الفاصلة لا ينافي الحصر والمعنى حشركم مقصور على الاتصاف بكونه إليه تعالى لا يتجاوز إلى الاتصاف بكونه إلى غيره تعالى فهو قصر الموصوف على الصفة لا عكسه . قوله : ( فيوفي جزاءكم ) قد مر غير مرة أن ذكر الحشر والخبر عنه كناية عن الجزاء . قوله : ( ويعظم ثوابكم ) مستفاد من المقام فإن الكلام في بيان الموت أو القتل في سبيل اللّه وهذا في المآل مثل ما سبق ذكر بعده تقريرا وتأكيدا لترتب المغفرة والرحمة على الجهاد والشهادة في سبيل اللّه ( وقرأ نافع وحمزة والكسائي متم بالكسر ) . قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 159 ] فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ( 159 ) قوله : ( فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ ) [ آل عمران : 159 ] الفاء لترتيب مضمون الكلام على قوله : لا لي معبودكم هذا بناء على أصل اشتقاق اسم اللّه كما تقدم من إله بمعنى عبد على وجه وجعله صاحب الكشاف في هذا الموضع اسما جامعا للصفات قال لإلى الرحيم الواسع الرحمة المثيب العظيم الثواب تحشرون ثم قال ولوقوع اسم اللّه هذا الموقع مع تقديمه وادخال اللام على الحرف المتصل به شأن ليس بالخفي يعني أن في قوله تعالى : لَإِلَى اللَّهِ [ آل عمران : 158 ] فوائد الأولى في وقوع اسم اللّه في هذا المقام فإن اسم اللّه لما كان اسما لذات اللّه جامعا لجميع معاني أسمائه الحسنى فيتجلى في كل مقام بما يناسبه وهذا مقام الرحمة والثواب فيكون عبارة عنهما كما ذكر والثانية في تقديمه وأنه لم يقل تحشرون إلى اللّه وقال : لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ لإفادة الحصر وأن حشر الكل إلى اللّه لا إلى غيره فلا حاكم في ذلك اليوم إلا هو ولا نافع ولا ضار إلا هو لقوله تعالى : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [ غافر : 16 ] والثالثة في إدخال اللام على الحرف المتصل باسم اللّه فإن الاسم لا يدخل على الحرف وههنا وإن دخل على الجملة معنى داخل على الحرف صورة فما أدخل اللام على الحرف المتصل باسم اللّه إلا للاشعار بأن الإلهية تقتضي تأكيد الحشر وتحقيقه ثم إنه قدم القتل على الموت في المغفرة لأن السيف محا الذنوب وقدم الموت على القتل في الحشر لأن المحشور الميت أكثري من المقتول .
--> ( 1 ) المهجة بالضم الروح .